الكنائس الألمانية على مدى يومين في لبنان ثم مصر

مسيحيو الشرق الأوسط شهادة حيّة للعيش السلامي مع المُسلمين

 

 

 

 

منذ تموز الفائت كنائس العالم رفعت من درجة التفاتِها إلى لبنان وطن الرسالة بحسب قداسة البابا الراحل يوحنّا بولس الثاني، والمعنى بحسب الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين، فبَعد وصول وفد من مجلس الكنائس العالميّ تحت القصف العدوانيّ الإسرائيليّ عبر البحر إلى وطن الأرز في تموّز، ليتبعه وفدٌ من كنائس الولايات المتحدة الأميركيّة أدان العدوان وأطلق مواقف بحقّ ما ارتكبته آلة الدّمار الإسرائيليّ بحقّ شعب، مُسالم إنّما يُقاوم كلّ أنواع الإرهاب والظلم والقمع على حدّ سواء.

 

"أشجب كل انواع الظلم والأصوليّة في العالم، والمهمّ أن نعمل معاً لأجل المجتمع المدني والسياسي. نريد من المجتمع الديني أن يفتش عن السلام في الأديان من أجل التفاهم والأخوّة. لبنان مميّز إذ إنّ المسيحيّين والمسلمين يعيشون فيه معاً ويختبرون المشتركات فيما بينهم. طبيعيُّ أن يكون هناك في بعض الأحيان توتُرات لكنّني أعلم أنّ هذه التوتّرات سياسيّة وليس دينيّة، وأعتقد جازماً أنّ هناك فرقاً كبيراً بين الطائفيّة والدّين، "قال المطران يوهانس فريديريش من الكنيسة الألمانيّة الانجيليّة ليُضيف من بعده المطران هانس جوشن من الكنيسة الألمانيّة الانجيليّة". هناك من يعتقد أنّ التنوّع السياسيّ يصعب الحوار، والحوار الحقيقي لا بُدّ من أن تقوم ركائزه على احترام الاختلاف، وهو يحتاجُ إلى جوّ من الحريّة واحترام حقوق الإنسان، وقُدرة على التواصّل ليس فقط على المستوى الأكاديمي على مستوى المعيش. من هُنا يبدو ملحّاً علينا أن ننبذُ كلّ استعمال للعنف باسم الدّين. لسنا قادة سياسيّين ولكنّ للكنيسة دور التّوجيه مع اعتقادي الأكيد بأنّ الكنيسة تتدخّل في السياسة حين تبتعد هذه عن القيم وتصبح منبعاً للصدام وعطيّة لتحقيق مصالح خاصة، والاعتداء على الدولة الشرعية بحجح مختلفة. ونحن نعلم في التجربة الديموقراطيّة أن الدولة هي الضامن الوحيد لحقوق الأفراد والجماعات على حدّ سواء".

 

على مدى يومين مكثّفين ركّز وفد الكنائس الألمانيّة الكاثوليكيّة والإنجيليّة في زيارته إلى لبنان بدعوة من مجلس كنائس الشرق الأوسط على البحث في إشكاليّة "الحضور المسيحيّ في الشرق الأوسط" لاسيّما وأنّه انتقل بعد إنهاء جدول آعماله إلى مصر حيث 12 مليون مسيحيّ قبطي يشكلّون تقلاً أساسيّاً في تركيبة المجتمع المصري، وحيث الدّولة تضمن عيشاً واحداً مسيحيّاً-إسلاميّاً  تسالُميا فيه الكثير من النموذجيّة، والحضور المسيحيّ في الشرق الأوسط ليس  طارئاً،  فالمسيحيّون أهل الدار وعاشوا مع إخوتهم المسلمين بهدوء، على الرغم من بعض الحقبات التاريخيّة السوداء والشرق الأوسط مهدُ الشهادة المسيحيّة منذ تجسّد يسوع المسيح وقيامته لخلاص البشر في فلسطين، لكنّ قلقاً كبيراً يُساورهم منذ أكثر من عشرين عاماً، ويعبّر عن هذا القلق الأب الدكتور يوسف مونّس الذي قال في كلمته أمام الوفد: " القلق الكبير هو هذه الهجرة التي اجتاحت كلّ  مسيحيّي الشرق، وهذا الخوف ضرب الشباب، والقلق على المستقبل هو الذي دفعهم للرحيل والبحث عن وطن لحريّتهم وكرامتهم، حيث يمكنهم العمل والتوظيف، خاصة مع تنامي الحركات الأصوليّة الإسلاميّة التي جعلتهم خائفين كما مهمّشين". وتابع مونّس: "علامة المسيحيّين بهذه الأرض علاقة الشهادة للمسيح على هذه الأرض تقوم علاقة الغرب بالإسلام، ولا يُمكن أن نماهي الغرب بالمسيحيّة، ولا أن نوحّد الإسلام، فهو متنوّع من ماليزيا إلى أندونيسيا، إلى أفغانستان، إلى باكستان، إلى الجزيرة العربية إلى سوريا ولبنان وفلسطين ومصر وشمالي أفريقيا وأفريقيا الوسطى."

 

بعد هذه العبارات يتدخل المطران فريديريش  معقّباً بعمق: "أعلم أن الكثير من المسيحيّين تركوا هذه المنطقة بسبب تفاقم الكثير من الأزمات، لكنّي أعلم أيضاً أن للتّضامن بين المسيحيّين والمسلمين أبعاداً متعددة، فهم مُتضامنون وموحدون في الصلاة، ومن خلال خدمة الإنسان. أليس هذا البعد المسكوني. ونحن، مع مؤسسات كاثوليكيّة، بروتستانتيّة عدّة، نشدّد على الناحية الخدماتيّة لكلّ إنسان، وكلّ الإنسان،  ونتعاون مع مجلس كنائس الشرق الأوسط من أجل الفلسطينيّين واللبنانيّين والمصريّين والعراقيّين والسوريّين والأردنيّين، والجميع سواسية دون استثناء ففيهم صورة المسيح المخلّص".

 

 

 

القس د. حبيب بدر، راعي الكنيسة الإنجيليّة الوطنيّة في بيروت، وبعيداً عن الوجدانيّات، قرأ تاريخ الحضور المسيحيّ مفنداً فيه شهادته حتماً إنما أيضاً ما عايشه من انقسامات وصدامات، كما تأثير قيام دولة إسرائيل في فكر صهيوني عنصري، إنّما مستشرفاً جهوداً يجب أن تُبذل لنزع فتيل التناحر الفلسطينيّ-الإسرائيليّ لمصلحة قيام سلام عادل وشامل، إلى إلحاح تفعيل الشراكة المسكونيّة بين مسيحيّي الشرق الأوسط، للإنطلاق في رؤية موحدة، وهذه موجودة إنّما ينبغي تثميرها وتفعيلها وإيجاد أطر جديدة للتعاون على الصعد المؤسساتيّة إنما مع إيجاد رؤية واضحة بعيداً عن المُجاملات التكتيكيّة. ولم يُخف بدر تخوفه من تمدّد الحركات الأصوليّة الإسلاميّة التي أنشأت خوفاً حتمياً ومعبّراً في نفوس المسيحيّين كما في نفوس المسلمين المعتدلين والعقلانيين الحقيقيين أنفسهم.

 

رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر، وفي مداخلة مكثّفة المضامين، قال: "إنّ لبنان في إطار الحوار المسيحيّ-الإسلاميّ هو مثال جيّد، بل فريدٌ في الشرق الأوسط، فالمسيحيّون يشعرون بأن لبنان حولهم وكذلك المسلمون، ونحن نعتبر أنّ هذا البلد هو بلد الانفتاح، والنظام السياسي هو بين التيوقراطي والعلماني، أمّا اليوم فنحن نعيش مشكلات داخليّة، وعلينا جميعاً أن نتخّطاها".

 

الدكتور جان سلمانيان، عضو اللجنة الوطنيّة للحوار المسيحيّ-الإسلاميّ، ومن الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسيّة شدّد على أنّ "الكنيسة الأرمنيّة بأبنائها آمنوا بأن لبنان هو بلدٌ فريدٌ في المنطقة حيث تتفاعل الأديان وتتعاون الطوائف في صيغة فريدة" وختم: "ثقتنا كبيرة مع إخوتنا أنّنا نعيش مرحلة انتقاليّة صعبة إنّما سنتجاوزها وينتصر الحقّ".

 

أمّآ الدكتور محمد السّماك والأمير حارس شهاب فقد عرضا لتاريخيّة العلاقات المسيحيّة-الإسلاميّة في لبنان ونموذجيّتها، حيثُ "الخطر الوحيد الاستثمار السياسي في الإطار الديني بمعنى استثارة العصبيات لإفراز دويلات تتناحر، معتبرين أنّ الاختلاف غنى، ومؤكدين حرص كلّ المرجعيات الروحيّة، إلى إبقاء الاختلاف سلاميّاً حيث إنّ التّصادم الحرية يبقى خطاً أحمر، وما نشهده ليس من فعل اللبنانيين، بل مُحاولة لجرّهم إلى مواجهة همّ يعلنون كلّ يوم أنّهم يرفضونها".

 

رئيس أساقفة بيروت وجبل لبنان للسريان الأرثوذكس المطران جورج صليبا وفي مداخلة أمام الوفد قال: "رسالتنا نحن المسيحيين في هذا الشرق تكمن في الحوار. ونحن في حوار مستمرّ منذ ظهور الإسلام، وكنّا نعيش أياماً حلوة ومرّة، وكنّا راضين بالواقع الذي نعيش فيه. والحوار يهدم الجدران. هناك متطرفون يسيئون إلى هذه المبادىء، وهذا صراع بين الخير والشرّ وسينتصر الخير حتماً".

 

شهادات فيها الألم والرجاء على حدّ سواء. كنائس العالم تتطلّع إلى المسيحيّين والمسلمين في لبنان. تُثني على نموذجيّة العيش معاً فهل يقنع اللبنانيّون برسوليّة، دورهم في هذا الشرق؟ جرجس ابراهيم صالح أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط يجيب على هذا التساؤل بصراحة: "جهود كثيرة تُبذل ولن تتوقف في إطار تفعيل الشهادة المسيحيّة المسكونيّة. أمامنا صعوبات وعقبات. التطرّف يؤرقنا المسيحيّ والإسلاميّ على حدّ سواء. الكنائس أخذت مواقف واضحة من منطق الحروب والإرهاب. هي تحمل السّلام ولن تتخلّى عن دورها صلّوا للقيادات والناس فهمُ صمّام الأمان بشفاعة مريم العذراء وعناية الثالوث الأقدس."

           

 

 

بيروت في                                                 28/6/2007  المكتب الإعلاميّ

                                                                        مجلس كنائس الشرق الأوسط