Main Page

 

 
 

الكنائس الألمانية في مصر بعد لبنان

نرفُض العنف المُتلطّي بالدّين وتعنينا الحرّيات الدينيّة

 

 

بعد زيارة ناجحة إلى لبنان امتدت على مدى أيّام ثلاثة، إنتقل وفد الكنائس الألمانيّة الكاثوليكيّة والإنجيليّة،  يُرافقه الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط جرجس ابراهيم صالح، وفي تطلّعه البحث مع المرجعيّات الرّوحيّة المسيحيّة والإسلاميّة في توثيق عُرى العيش معاً في سياق تاريخيّ يبدو أنّه متّجه إلى الاستثمار الأصولي التطرّفي أكثر منه الاعتدالي الحواريّ.

 

"أهلاً وسهلاً بكم في موطن الحوار المسيحيّ-الإسلاميّ ولشهادة الكنسيّة الحيّة" عَبَّر القس د. صفوت البيّاضي، رئيس الطائفة الإنجيليّة في مصر لُيتابع "نحن نؤمن بالتنشئة على احترام الاختلاف الدّيني منذ الصغر. للتربيّة الدّور الأساس في تأمين مناخ صحيّ من العلاقات المسيحيّة - الإسلاميّة إنطلاقاً من الإقرار بالتّمايز دون "التمييز" ليجول من بعدها الأساقفة الألمان في رحاب تساؤلات حول أهميّة الشهادة المسيحيّة في مجتمع، قد ينحو البعض إلى تصنيفهم فيه كأقليّة، فيما هُم وشركاؤهم المسلمون إخوة في المواطنة.

 

وعن هذه التساؤلات لا تستقيم الإجابات إلاّ في حضرة قداسة البابا شنودة الثالث، الجبّار في إصراره على الدّفاع عن مُكتسبات المسيحيّين من ناحية، وتشديده على أنّ الدّفاع عن المعيّة تهبُ الحضور المسيحيّ نكهة خاصة، ولو أنّ في ألمانيا 4 ملايين مُسلم، غير أنّ خبرة مسيحيي ومسلمي الشرق الأوسط وأفريقيا على حدّ سواء نادرة. دعونا من التوتّرات التي هي من صميم الماجريّات المجتمعيّة. والبابا شنودة هذا الأب الجبّار الحنّان، الرافض لأي تواصل مع الكيان العبريّ الغاصب للحقوق الفلسطينيّة بانتظار إعطاء الفلسطينيّين المقيمين  في الشّتات حقوقهم كاملة، يُفاخر بالصّداقة العميقة التي تربطه بشيخ الأزهر السيّد محمد طنطاوي إذ إنّ قنوات التّواصل معه مفتوحة للخير العام، كما لتطويق كلّ مُحاولات الإفتان المُغرِضة.

 

أمّا في محور "الحضور المسيحيّ في الشرق الأوسط/البعد الاجتماعيّ وتأثيره على المجتمع في مصر" وبالتالي "العلاقات المسيحيّة - الإسلاميّة والواقع الاجتماعي الثقافيّ" فكان لقاء معمّق الطروحات استهلّه جرجس صالح بالإضاءة على مفهوم "السماحة/التسامح" القائم عليه الرؤية المشتركة بين مسيحيّي مصر ومسلميها، ليرفده القسّ د. صفوت البياضيّ بتأكيد على "روحيّة التعدّدية المُتكاملة في التّعاون بين مختلف الأديان على أن يتأسس كلّ تعاون على مُبادرات شُجاعة تتجاوز الخلافات لتثمير منطق الاختلافات الغنى".

ويعقّب من ثمّ المطران يوحنّا قلته النائب البطريركي للأقباط الكاثوليك قائلاً: "نحتاج إلى عالم جديد تسوده علاقات إنسانيّة تسالُميّة. ليس في التاريخ  من حقبة تسيّد فيها دين واحد. التنوع من جوهر الوجود. حتماً الحروب الدينيّة أفظع من الحروب السياسيّة. ودورنا أن نشهد لقِيم المحبة والحوار والرّحمة. الإنسان هو القضيّة الأساس. هكذا علّمنا السيّد المسيح". وإذ تُحاول التدخّل، يؤشّر إليك بإصبعه مُريداً  استكمال ما بدأه ويُعلن: "المسيحيّون العرب هم في أساس الحضارة العربيّة الإسلاميّة. نحن جزء مؤسس في التُراث العربيّ. لا نريد أن نتميّز عن أو أن تتنصّل من ما حقّقناه. الحوار لغتنا على أن نستند إلى مبدأ التضامن في احترام لوحدة الجنس البشريّ، وإقرار بقيمة الإنسان، وقيمة الحياة بمعناها الشمولي خصوصاً من حيث ارتباطُها بالحريّة والمساواة شرعيتين كيانيتين".

 

وللشباب في الكنيسة القبطية الأرثوذكسيّة أسقفية تحدّث عنها أسقف الشباب الأنبا موسى معتبراً أنّ "أيّ تفعيل للعيش معاً، أو للحوار الأكاديميّ،  العنصر الشاب ضمانته المستقبليّة ما يستأهل التفاتة خاصة من كلّ المرجعيات الروحيّة والمدنيّة لهذا الخزّان الهائل من الطاقات الواجب تحريرها من الموروثات التناحريّة، وإعدادُها لتؤدي دوراً إيجابياً في الحوار بين الأديان".

 

أمّا مطران  محافظة الغريبة  للروم الأرثوذكس نيقولا أنطونيو فيرفع الصوت عالياً دون تردّد: "المسيحيّون في الشرق الأوسط هم أهل هذه الأرض. يعيشون مع المُسلمين في شراكة. ظروف وتحدّيات واحدة تجمعهم. نُثني على دور مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط، وكلّ المرجعيات المسيحيّة والإسلاميّة. فتراهم لا يألون جُهداً في دعم مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات على قاعدة الاقتناع بأن المواطنة جامع إنسانيّ قيميّ حقيقي".

 

وفي محور مُقاربة " التطرّف والعنف الدّيني: قراءة هادفة" تداخلت الدكتورة تيسير مندور، الأستاذة المحاضرة في كليّة الأزهر وعضوة المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة، مشيرة إلى "أنّ التطرّف خطر، وهو مختزن في كلّ الأديان إن أُسيء فهمها. وإنّ أوّل مُحاولة عيش مشترك بين المسيحيّين واليهود والمسلمين، استُهل أيّام الرّسول الذي أُعلن أن لا إكراه في الدّين. وهذا اللاّ إكراه يتطلّب الإقرار بتعدّد الأديان" لتختم: "ليس كافياً إن أردنا إزالة التطرّف أن يتعرّف كلّ على دينه، بل الدّفع باتّجاه مُقاربة الإيمان من منطلق تقبُّل الغيريّة، وعدم  قصر المُقاربة  على التدريس والتّلقين بل رفدُها بأنشطة تعايُشيّة يوميّة".

 

الدكتور علي السمان، رئيس لجنة الحوار والعلاقات الإسلاميّة في المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة، دعا إلى صيغة ميثاق للحوار إنطلاقاً من قيمتين ملحاحتين لخصّهما بـ "الاستعداد للنقد الذّاتي أولاً، ورفض التّعميم على كلّ الأديان ثانياً. ممّا يستدعي البحث عن قِيَم مشتركة وأرضية للتعاون، بحيث يتبدّى كلّ دين إضافة غنى للأديان الأخرى، وهذه الإضافة لا تستقيم إلاّ إذا اعتبرنا ضروريّاً تقديم الإيجابيّات في الثقافات المختلفة والأديان، والتّعاطي مع الإعلام صمام أمان في تثمير الإيجابيات حواريّاً، وصَوْغ ميثاق عالميّ حواريّ بالاستناد إلى سُلّم قيم سلاميّ"،  ليُخلص السمّان إلى "أنّ العمليّة الحواريّة قائمة في أساسها على قناعة عقيديّة إنّما أيضاً على مبادرة جريئة في الاقتراب من الآخر حقيقيّة لا بالمُجاملات الاجتماعيّة".

 

وفد الكنائس الألمانيّة الآتي من رُقعة جغرافيّة مسيحيّة التركيبة الديموغرافيّة في أساسها، لم يغفل أنّ في آلمانيا أربع ملايين مسلم باتوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، وهم انخرطوا في الشأن العام بشكل فعّال. من هذا المنطلق يشدّد المطران الكاثوليكيّ جوشن جاشه "الحضارة الإنسانيّة جوهرها الحرّية. وفي كلّ حُرّية لا بديل عن الحوار. ثمّ إنّ الحوار قاعدة تُشيح الضبابيّة عن كلّ تفاوت في المستوى بين دين وآخر. المهمّ أيُّها الإخوة مسيحيّين ومسلمين أن نرفع الصوت عالياً ضدّ التمييز العنصريّ والعنف الدينيّ"، ليدعو نهاية إلى "احترام الحرّيات الدّينيّة في الدّول المسيحيّة والإسلاميّة الطابع على حدّ سواء".

 

أمّا الأب اندرياس مودير من الكنيسة الانجيليّة الألمانيّة فأبى إلاّ الإطلالة على ثلاثين عاماً من الحروب المسيحيّة - المسيحيّة بين البروتستانت والكاثوليك، ليستنتج "أنّ الحروب تعلّم     

 

المتصارعين الحوار لكن المطلوب منّا أن نتدارك كلّ دفع صِداميّ عُنفيّ جديد من خلال دروس الماضي. وها الأوروبيون عموماً والألمان خصوصاً يعيشون مع إخوة لهم مسلمين بمعظمهم وفدوا من دول إسلاميّة متعدّدة".

 

سماحة شيخ الأزهر السيّد الدكتور محمد طنطاوي، وفي مُداخلة لافتة أمام الوفد الإلماني ركّز على أركان أربعة وهي "الاعتقاد أنّ الناس جميعاً من أب واحد، وأمّ واحدة لذلك نحن إخوة في الإنسانيّة، والاختلاف في العقائد لا يمنع من التّعاون عند العُقلاء، وجميع الأديان تدعو إلى التآلف والتّعارف بين الإنسانيّة وأنّ الحروب والمنازعات أسبابها الرئيسيّة الحقد، والحسد، والغرور، والتكبّر الإنساني، وحبّ الذات".

 

والمؤثّر في زيارة جامعة الأزهر بعد لقاء الشيخ الدكتور سيّد طنطاوي، إطلاّع الوفد الإلماني على مناهج الأزهر، وعلى وجه التحدّيد مادّة الحوار ليس على المستوى النّظري فقط، بل المعيش أيضاً.

 

المتحف القبطي كان آخر المحطّات وكذلك التعرّف على مشاريع أسقفيّة الخدمات بمصر القديمة، وفيه قال الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط جرجس ابراهيم صالح: "الكنيسة القبطيّة متألمة وشاهدة،  إبنة الرّجاء. رحّبت بالإخوة الألمان. تعلّمت من ثباتهم في الإيمان وثقافتهم الحواريّة، لكنّهم حتماً تعلّموا منها الكثير. فهذه الكِرازة المُرقسيّة ضاربة الجذور الأرضيّة في السمّاء شهادة للمسيح القائم من بين الأموات".

11/7/2007                                                                                    المكتب الإعلاميّ

                                                                                            مجلس كنائس الشرق الأوسط